الصفحة الرئيسية » قصص » تائهة بين أبناء وطني

تائهة بين أبناء وطني

يحنو على مدينتي دير مار موسى الحبشي المتشبث بجبال القلمون محيطا اياها بجناحي رسول السلام سيدنا المسيح ، ناثرا من قمته العالية المحبة علينا وعلى جميع المارين بها ، فهي همزة وصل العاصمة دمشق بالشمال السوري و لمعظم السوريين ذكريات حطت رحالها في مدينتي   ، في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها البلاد تحول الطريق الدولي الذي تطل عليه ، الى طريق رئيسي لمرور الأرتال العسكرية المتوجهة إلى مناطق ساخنة ، وهذا مايجعلنا معرضين للخطر في كل يوم تمر فيه هذه الارتال.

إلا أن المرور الاخير لهذه القوافل تجاوز كل مراحل الخطر والخوف والحرب ، ومتجاوزا حتى حدود الوعي والعقل .

بدأت المعركة بقيام كتائب مسلحة  بتفخيخ وتفجير الطريق الدولي أثناء مرور الرتل العسكري التابع للجيش العربي السوري النظامي ، معظم الاهالي توجسوا من الرد العسكري للنظام و لكن الاحتفاظ بحق الرد مع العدو الاسرائيلي الذي تناقل العالم الاخبار عن غاراته على دمشق جعلنا نتأمل باحتفاظ النظام بحق الرد بالنسبة للمدنيين العزل من سكان المدينة .

لن تمحو ذاكرتي صور الاطفال الصغار محتفلين بنتائجهم النهائية لمدارسهم ، كانوا بأبهى حلة ، هناك طفلتان صغيرتان تتنافسان على الهدية المستلمة من قبل المٌدرسة ، اصوات ضحكاتهم لا تزال كالأجراس تصدح رغم كل الدم والبارود ، خيبتنا في الاحتفاظ بحق الرد كانت سريعة ، فجاء الرد على وقع اصوات الرصاص و القنابل والصواريخ ، بدا الاطفال بالتراكض يمينا وشمالا مذعورين ، احدى الطفلتين اخذت تركض للأمام وعينيها معلقتين باللعبة التي سقطت منها ، فأجهشت بالبكاء لان احلامها ضاعت مع اللعبة .

خمس من الساعات الثقيلة الزمن مرت بصعوبة على الاطفال ، كانت مدرستهم التي لونوا فيها الفراشات وتعلموا اناشيد الحرية هي ملجأهم الوحيد في قبو بارد مظلم ، ليتراكض شباب متطوع لمساندتهم و حمايتهم .

 انا في مكان عملي وفي مكان قريب جدا من الاتوستراد ، كان همي زميلاتي في العمل والذين اتوا من خارج المدينة ولن يتمكنوا من العودة الى بيوتهم حاليا نتيجة انقطاع الطرق المؤدية ، اصوات ممزوجة بالألم والخوف والرعب ، نساء تصرخ تبكي تقول اريد ان اعود الى بيتي واولادي.

من مكاني ارى القناص التابع للنظام وهو يستهدف جميع المارة دون استثناء وأرى أبناء مدينتي كيف يهرعون خوفاً من رصاص هذا المجرم الذي لا يميز بين طفل ورجل وامرأة حيث استساغ طعم الموت وأصبح يتلذذ بالقتل، احساس بالمرارة لا يوصف  أن ترى أفعى تبث سمومها عشوائيا على اشخاص بريئة دون ان تتمكن من ان تفعل اي شئ سوا ان تحاول تخبئة الضحية الى حين هدوء الأفعى.

ليكون الخبر الصاعق لنا جميعاً بانه تم استهداف المشفى المركزي في المدينة بقذائف مدفعية ،  الشعور بالعجز والاختيار بين أن تذهب لتساعد في إنقاذ ارواح هناك وبين أن تبقى مكانك لتحافظ على روحك هذا بالضبط ما حصل لي .

 قمة المأزق الانساني عندما يتحتم عليك مواجهة الموت لأجل الاخرين ، هنا عليك ان تختبر انسانيتك الحقة فعلا ، هاجس ما دفعني للإصرار الى الذهاب أهو الفضول أم هو الخوف أم هي الإنسانية التي طغت على كل مابداخلي.

إمراة على كرسي الولادة تعاني مخاضين مخاض الولادة ومخاض الخوف من الموت يقوم الممرضون بانزالها للقبو هذا المشهد الأول الذي استقبلني في ذلك المشفى ، واخرى أيضاً على كرسي الولادة ولكن بعد أن انتهت من مخاض الولادة ليكون مخاضها الثاني انها تسال أين ابني ليطمئنها احدهم انه تم انزاله للقبو قبلها.

أزيز طائرة يغلق علينا مدارك التفكير ، فالطائرة الحربية تحوم والجميع يرقب صوتها وينتظر أن يرى أين ستلقي بحمولتها ، كل واحدة تردد ما حفظت من القران يناجين الله بكل ماملكن من ايمان .

مجموعة أخرى من النسوة في مكان مجاور للمشفى يخرجن لكي يطلبن من عناصر الجيش الحر التي تحاول انزال الطائرة قبل أن تقوم بالقصف ، ليكون رد هذه العناصر بتخويف وترعيب هذه النسوة باطلاق النار للسكوت والعودة إلى أماكنهم.

انتهت المعركة ، وعدت الى منزلي محملة بذاكرة كصندوق الدنيا الصغير مع كل اغماضة عين مشاهد مؤلمة تتكرر وتتكرر ، وصلت عتبة البيت منهكة بفاجعة وطن ، دخلت لأطمئن على اهلي لأجد منزلي وقد دخلت فيه شظايا مدفعية حطمت زجاج النوافذ وسقطت على طفل أختي الرضيع الذي لم يتجاوز عمره الشهر لتنهمر دموعي عندما أرى بأم عيني كيف نجى من شظية سقطت على سريره نجى منها ولم تصبه باعجوبة.

مرارة العلقم و الدمع الحبيس في عيني ، ابناء بلدي متمسكون بالحياة لأقصى درجة ولكن مع كل هذا الموت المنتشر في الارجاء بدأت في داخلي تتصارع الاحكام ، من تم استهدافهم بالتفجير هم أبناء وطني ولكنهم ذاهبون لقتال ابناء وطني أيضاً ، الطيار الذي يقود الطائرة والجندي الذي يقصف بالمدفعية والمصابين من جراء القصف كلهم من أبناء وطني.

هذا التناقض الذي دفعنا إليه النظام متعمداً عندما وضع الجيش في المعركة ليقتل ويقتل من أبناء وطنه ... ولأبقى تائهة بين أبناء وطني.

 

أميرة زياد مالك – النبك - سوريا

استعراض جميع قصص